الغزالي
407
إحياء علوم الدين
ومذاهب العلماء في قدر المأخوذ بحكم الزكاة والصدقة مختلفة ، فمن مبالغ في التقليل إلى حد أوجب الاقتصار على قد قوت يومه وليلته ، وتمسكوا بما روى سهل بن الحنظلية « أنّه صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] نهى عن السّؤال مع الغنى فسئل عن غناه فقال صلَّى الله عليه وسلَّم : غداؤه وعشاؤه « . وقال آخرون : يأخذ إلى حد الغنى . وحد الغنى نصاب الزكاة ، إذ لم يوجب الله تعالى الزكاة إلا على الأغنياء ، فقالوا له أن يأخذ بنفسه ولكل واحد من عياله نصاب زكاة . وقال آخرون : حد الغنى خمسون درهما أو قيمتها من الذهب ، لما روى ابن مسعود أنه صلَّى الله عليه وسلم [ 2 ] قال » من سأل وله مال يغنيه جاء يوم القيامة وفي وجهه خموش « فسئل : وما غناه ؟ قال : خمسون درهما أو قيمتها من الذهب . وقيل راويه ليس بقوى . وقال قوم أربعون ، لما رواه عطاء بن يسار منقطعا أنه صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] قال » من سأل وله أوقية فقد ألحف في السّؤال « . وبالغ آخرون في التوسيع فقالوا : له أن أخذ مقدار ما يشترى به ضيعة فيستغنى به طول عمره ، أو يهيئ بضاعة ليتجر بها ويستغنى بها طول عمره ، لأن هذا هو الغنى . وقد قال عمر رضي الله عنه : إذا أعطيتم فأغنوا . حتى ذهب قوم إلى أن من افتقر فله أن يأخذ بقدر ما يعود به إلى مثل حاله ولو عشرة آلاف درهم ، إلا إذا خرج عن حد الاعتدال [ 4 ] ولما شغل أبو طلحة ببستانه عن الصّلاة قال جعلته صدقة فقال صلَّى الله عليه وسلم » اجعله في قرابتك فهو خير لك « فأعطاه حسان وأبا قتادة ، فحائط من نخل لرجلين كثير مغن . وأعطى عمر رضي الله عنه أعرابيا ناقة معها ظئر لها . فهذا ما حكى فيه فأما التقليل إلى قوت اليوم أو الأوقية فذلك ورد في كراهية السؤال والتردد على الأبواب ، وذلك مستنكر ، وله حكم آخر ، بل التجويز إلى أن يشترى ضيعة فيستغنى بها أقرب إلى الاحتمال ، وهو أيضا مائل إلى الإسراف